ابن كثير
340
البداية والنهاية
هذه السنة ، وخرج القضاة والأعيان لتوديعه ، وقد كان أخبرنا عند توديعه بأن أخاه قاضي القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاة بالديار المصرية ، وهو متوجه إلى الشام عند وصوله إلى ديار مصر ، وذكر لنا أن أخاه كاره للشام . وأنشدني القاضي صلاح الدين الصفدي ليلة الجمعة رابع عشره لنفسه فيما عكس عن المتنبي في يديه من قصيدته وهو قوله : إذا اعتاد الفتى خوض المنايا * فأيسر ما يمر به الوصول وقال : دخول دمشق يكسبنا نحولا * كأن لها دخولا في البرايا إذا اعتاد الغريب الخوض فيها * فأيسر ما يمر به المنايا وهذا شعر قوي ، وعكس جلي ، لفظا ومعنى . وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالمارستان الدقاقي جوار الجامع ، بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنيا باللبن ، حتى قناطره الأربع بالحجارة البلق ، وجعل في أعاليه قمريات كبار مضيئة ، وفتق في قبلته إيوانا حسنا زاد في أعماقه أضعاف ما كان ، وبيضه جميعه بالجص الحسن المليح ، وجددت فيه خزائن ومصالح ، وفرش ولحف جدد ، وأشياء حسنة ، فأثابه الله وأحسن جزاءه آمين ، وحضر الخيمة جماعات من الناس من الخواص والعوام ، ولما كانت الجمعة الأخرى دخله نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات ، وأخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة ، فاستجاد ذلك من صنيع الناظر . وفي أول ربيع الآخر قدم قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على قضاء الشام عودا على بدء يوم الثلاثاء رابع عشره فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة ، ثم ذهب إلى دار الأمير علي بالقصاعين فسلم عليه ، ثم جاء إلى العادلية قبل الزوال ، ثم جاءه الناس من الخاص والعام يسلمون عليه ويهنونه بالعود ، وهو يتودد ويترحب بهم . ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره لبس الخلعة بدار السعادة ثم جاء في أبهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرئ تقليده بها بحضرة القضاة والأعيان وهنأه الناس والشعراء والمداح . وأخبر قاضي القضاة تاج الدين بموت حسين بن الملك الناصر ( 1 ) ، ولم يكن بقي من بنيه لصلبه سواه ، ففرح بذلك كثير من الأمراء وكبار الدولة ، لما كان فيه من حدة وارتكاب أمور نكرة . وأخبر بموت القاضي فخر الدين سليمان بن القاضي عماد الدين بن الشيرجي ، وقد كان اتفق له من الامر
--> ( 1 ) وكان ذلك ليلة السبت رابع ربيع الآخرة كما في الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 219 ( وراجع النجوم الزاهرة 11 / 21 وبدائع الزهور 1 / 592 وفيه : في جمادى الأولى ) .